لوحة الأرملة لرامون كاساس

.

كنت عائدا من عمان، حيث أقيم لأجل الدراسة، حين دخلت بيت والدي، سمعت الخبر المفاجئ، أن جدتي لأمي تعاني من ورم خبيث في المخ، كعادتي لا أستوعب الصدمات من اليوم الأول، دائما ما أسمع الخبر، وأبدو قويا أمام نفسي وأمام الناس، لكني بعد أيام قليلة حين أختلي بنفسي، أجد الأمر مضاعفا.

جدتي لأمي لا أعرفها إلا وهي كبيرة في السن، والواقع أني تفاجأت من صورها التي أراها الآن، وأنا صغير بجانبها، كانت شابة جميلة، لها ابتسامة بريئة جذابة، لكن من عادة أهلنا قديما أن تلبس المرأة (الساري) بعد زواجها، فيتقدم بها العمر عقودا، فتبدو لنا من جيل سابق، لم أرها في حياتي بدون الساري الأبيض، إلا خطأ، أو حين تعيد إصلاحه، بحركة ميكانيكية معهودة، كانت حركاتها بطيئة، مثل الرجل الآلي، لا تنظر يمينا ولا شمالا إلا ببطء، وبحركة متكلفة، عرفت حين كبرت أنها عانت من ورم في الرقبة، وسافرت إلى الهند قبل عشرين سنة تقريبا لاستئصال الورم، كان أثر الجراحة مايزال باديا على رقبتها، حين تعيد إصلاح الساري.

تحب الصمت، وتكره الأحاديث الطويلة، وتفضل العزلة في أوقات كثيرة، تعيش وحدها في بيتها، يأتيها ابناؤها وأحفادها لزيارتها، وربما المبيت عندها، لكنها زيارة محددة ولها أمد، ويبدو أن حب العزلة في عائلتي يحاصرني من كل الجهات، من جهة والدي ووالدتي، وهي عزلة غريبة مقترنة بالسعادة، والعثور على الذات، لا بالكآبة كما يحدث لكثير من الناس.

حياؤها ملفت للنظر، في نظرتها وصمتها، تلبس الساري، و (الجلابية) وتحته السروال الفارسي المزركش، حتى لا يبدو منها شيئ، مع أنني بالكاد كنت أرى طرف هذا السروال، كنا لا نجرؤ على دخول غرفة نومها، تملؤها الهيبة والاحترام، أذكر بعض الأشياء هناك، بخلاف المسجل والراديو القديم، كانت عندها آلة أشبه بالمجهر الصغير الذي يستخدم لرؤية الشرائح، مثله تماما، قطعة من حديد، تستخدم لتغليف الأزرار الدائرية بقطعة القماش، على يمين الآلة قطعة حديدية تدار حتى تضغط على الأزرار بعد أن تضع قطعة القماش عليها، كنت أحب تلك الآلة كثيرا.

كانت جدتي قريبة منا، لكن ثمة مسافة يجب علينا احترامها، وهي مسافة تتعلق بحيائها، لم تكن تتكشف حتى على بناتها، ومن هنا جاءت الأزمة.

الورم في المخ كبير جدا ويجب استئصاله، وقد يفقدها الحركة، حالتها ليست يسيرة، خصوصا وهي في السبعينيات من عمرها، هذا هو توصيف الأطباء باختصار، أجريت لها علمية استئصال للورم، ولكن بعد العملية حدث ما كنا نخاف منه، أصيبت بالشلل الكامل، كان لا بد من وجود من يقوم على خدمتها، بناتها من حولها، والممرضات في المستشفى.

كانوا كلما أخذوها إلى دورة المياه، أو لتبديل ملابسها، تدمع عينها وتبكي، لم يدرك الكثيرون ما يبكيها، لم تكن تتكشف على أحد، حتى بناتها، وهي الآن مضطرة إلى ذلك، حين يكون أعز ما تفتخر به أمام نفسك عرضة للانتهاك، هذا باختصار ما جرى لها، وهو يحدث في آخر حياتها، كنت أشعر بها تتمزق في داخلها، حين يقلبونها، أو يأخذونها لتغيير ملابسها، أو لنظافتها.

ظهر ورم آخر قريب من المنطقة المسؤولة عن الحواس، ولا فائدة من إزالة الورم، لأنه كبير جدا، ويوما بعد يوم، بدأت تفقد حواسها الخمس، فقدت القدرة على الكلام، ثم النظر والسمع، وكل شيء، كانت نائمة، وهي مستيقظة، كانت جسدا مطروحا، لكنه على قيد الحياة، نكلمها ولا ندري هل تسمعنا أم لا، دخلت في ظلام عميق، تشخر أحيانا، وتبكي في أحيان أخرى، استمرت هكذا ثلاثة أشهر، كنا في شهر رمضان، وكنت أصلي بالناس، ومع اشتداد مرضها، صرت لا أتمالك نفسي في الصلاة، في إحدى الليالي صليت وانفجرت بالبكاء، لا يعلم الناس سبب بكائي، ولا أنا أعلم، ولم تكن تلك عادتي، بعدها توقفت عن الصلاة بهم لبعض الأيام.

كنت أجلس بحانبها وأقرأ القرآن، كنت أريد معجزة تعيدها إلى الحياة، كنت أفكر في كثير مما أقوله وأكتبه، عن الحياة السننية والطبيعة القانونية، وأن القرآن لم ينزل لإحداث هذه المعجزات في الحياة، لكنني كفرت بكل هذا، كنت أريدها أن تعود للحياة بأية طريقة.. بأية معجزة.. فتجري المعجزة على يد من فندها، ولتنتفي الأسباب على يد من دعا لها، وسأعترف بذلك، هذا وعد مني، ولكن أعيدوا لها الحياة.

لم أفهم قصة مريم عليها السلام إلا حينها، تلك المرأة التي (حصنت فرجها)، هكذا وصفها القرآن، فجاء الابتلاء من الجانب الذي تفخر به، جاءها جبريل ونفخ فيها من روحه، تمر الأيام، وحين جاءها المخاض عرَفَت ما يعنيه ذلك، عرَفَت معنى أن يكون لها طفل من دون زواج، قالت ليتني مت قبل هذا، ليتني لم أكن هنا، ولما وضعته، جاءها الأمر الأصعب، أن تحمله بين ذراعيها وتستمع لأشد التهم إيلاما، وتصمت، وتشير إلى الطفل بين يديها، ممنوع عليها أن تدافع عن نفسها.. المرأة التي تعتز بالحياء.. تتلاشى سمعتها أمام عينها..

هكذا فهمت جدتي، كنت أشعر باعتزازها بالدائرة التي أحاطت بها نفسها، بمبالغتها في الحياء واللباس، في الساري والسروال الفارسي، في كل ما يكون أكثر حشمة وعفاف، ثم هي تتقلب بين يدي الأطباء والممرضات، في صمت منها، وعالم من الظلام، لا تستطيع أن تبدي حتى انزعاجها، لا تقدر على أن تقول أبعدوا هذه عني، أو قربوا تلك مني، أو تشتكي من كلمة أبداها فلان، أو تذمر أبدتها الأخرى، كانت تنفجر بالبكاء أحيانا، وتقول ما لا نستطيع سماعه.

في إحدى ليالي رمضان توقف قلبها، ثم أعادوا لها النبض في إنعاش سريع، ومؤلم، الجسد ينتفض، يقفز أمامنا، مرة ومرتين، تمنيت وقتها أن أكتب وصيتي، أن يتركوا قلبي وشأنه، إذا توقف فليذهبوا عني بعيدا، ما فائدة أن أعيش يومين أو ثلاثة أيام إضافية، ما جدوى تمديد الألم؟!

سمعت كثيرا أن للموت رائحة، أن له إحساس حين يدخل الغرفة، ولم أكن ألقي لهذا الكلام بالا، فقد كنت أظنه من تعبير الروائيين، لكني شعرت به تلك اليلة، شممت رائحة الموت، أحسست بالغرفة مكتظة بالأرواح، أحسست بهم في كل مكان، أحسست بالهدوء والحركة، نظرت إليها وهي نائمة، شعرت بالروح تخرج، وشعرت بهم يذهبون، ثم رأيتها جسدا بلا روح، قلت للطبيب أظنها فقدت الحياة، قال لا، مايزال القلب ينبض، توقف القلب وأنعشوه عدة مرات، وعاد للنبض، كنت متأكدا أنها فارقت الحياة، وأن قلبها يعمل بشكل آلي، لأنه مل من أجهزتهم، في اليوم التالي توقف القلب تماما، وبناتها حولها، بدأ البكاء، والترحم، وهي تعود لنضارتها، كما كانت قبل مرضها، بعد مرور ساعة تقريبا، عاد كل شيء كما كان، بعد أن خلصوها من أجهزة المستشفى، عاد الوجهة نضرا طريا بشوشا نائما، كأنها ستستيقظ في أي لحظة، كأنها ستجيبني إذا ناديتها، وتبتسم إذا أضحكتها، لم تكن تلك التي بكت ولا تلك التي اشتكت، لعلها أدركت الآن ما لم تدركه في لحظات الظلام، كان ذلك قبل ثمان سنوات، ومن يومها وهي تأتيني في المنام بين الحين والآخر، تحذرني وتبشرني، وتعينني على نفسي

الوسوم: