ماريو بارغاس يوسا، الروائي البيروفي والصحفي والسياسي، الحاصل على جائزة نوبل، قرأت له أولا (شيطانات الطفلة الخبيثة) وهي مذهلة في هدوئها، وحركة إيقاعها، وفي ثيمة الحب الموجودة فيها، لكن روايته الأشهر والأوسع صيتا، هي (حفلة التيس)، وهي مختلفة عن الأولى في عدة جوانب فنية، ومن يقرأ الروايتين يدرك كم يملك يوسا من قدرة على الإبداع والإبحار في فن الرواية والمغامرة بأساليب جديدة.

رواية (حفلة التيس) تحكي -أو بالأصح تفضح- سيرة دكتاتور الدومينيكان (تروخيو)، وهي على طريقة يوسا في الرواية، سيرة ذاتية حقيقية ممزوجة ببعض الخيال، يوسا لا يؤمن كثيرا بالأسطورة في الرواية، بل هو أقرب للواقع، ونزعته السياسية واضحة وبادية عليه في هذه الرواية.

إذا أردت أن تتمنى شيئا لدكتاتور ظالم، أو أن تدعو على مستبد فاسد، فادع الله أن يسلط عليه كاتبا مثل يوسا، يخلد قذارته، ويفضح سيرته في لغات متعددة وأماكن مختلفة، فهؤلاء الذين سرقوا أحلام الناس ومستقبل الشعوب ليس من العدل أن ينساهم التاريخ، لقد جثم تروخيو على قلب الدومينيكان من سنة ١٩٣٠م إلى سنة ١٩٦١م ، نمى ثروته، وحول اسم العاصمة وأعلى قمة في البلاد والكاريبي إلى اسمه، وكثير من معالم الدومينيكان جعلها بأسماء عائلته، سجن وعذب، أقام مجزرة في الهايتيين الذين يسكنون الجانب الدومينيكاني من الحدود، فقتل منهم ما بين ١٧٠٠٠ و٣٥٠٠٠ في  ستة أيام، وسرق ثروات البلد، واستحوذ هو ودائرته الخاصة على معظم الشركات والمؤسسات الكبرى.
تتحدث الرواية عن الدائرة الخاصة المحيطة بالدكتاتور، ويحاول يوسا أن يقيم فلسفة كاملة لعلاقة الدكتاتور بعائلته، كيف يدمرهم ويصنع منهم مخلوقات هشة لا مبالية، في حين ينتظر منهم أن يكونوا يدا قوية تعينه على بسط حكمه، وكيف ينشغل باله بهم وبحماقاتهم، وتجميل صورتهم، ويتحدث كذلك عن دائرته الخاصة من معاونيه وأياديه القذرة التي يمدها إلى كل مكان، يسرق بها ويبطش ويعذب ويقتل.. كيف يحولهم إلى وحوش لا ترحم، وكيف ينتهك خصوصياتهم، ويبث الرعب في داخلهم، كيف يأسرهم، ويستحوذ على حبهم وكرههم له في الوقت نفسه.
استطاع (تروخيو) أن ينكّل بالمعارضة طوال ثلاثين سنة، من خلال التصفيات المعنوية والجسدية، ولكن المنعطف الرئيسي الذي عجل باغتياله دخول الأخوات ميرابال في الحياة السياسية، كن ثلاث أخوات في سن الشباب، انتمين إلى حركة 14 حزيران المعارضة، وأصبحن من القيادات فيها، كن مفعمات بالنشاط والحيوية والقدرة على الإقناع، واستيعاب التكنيكات الحركية والتنظيمات السرية، لذلك كانوا يلقبونهن بالفراشات، وكانت (مينيرفا ميرابال) أبرزهن، بذكائها وشغفها وجمالها، يصفها يوسا بأنها: «باهرة الجمال، بالسواد الفاحم لشعرها وعينيها، بنعومة تقاطيعها، بأنفها وفمها الدقيقين، وبياض أسنانها الذي يتضاد مع سمرة بشرتها المائلة إلى الزرقة، لقد كانت باهرة الجمال، أجل، فيها شيء أنثوي متسلط، نعومة، تغنج تلقائي في حركات جسدها وفي ابتسامتها، على الرغم من تقشف ملابسها التي تظهر بها في تلك الاجتماعات».
تدور حول الأخوات ميرابال أساطير كثيرة، يقال إن تروخيو تحرش بمينيرفا في مراهقتها في حفل عام، فصفعته على خده، ولم تتحمل هذه الإهانة فانتقلت إلى المعارضة من ذلك اليوم، ومع أن يوسا يستبعد هذه القصة، فلو أنها أقدمت على صفعه فلن يقبل تروخيو ببقائها على قيد الحياة، لكنه يرى هذه القصة مناسبة لشخصيتها، فلو حدث أن تحرش بها هذا الدكتاتور فلن تتأخر في وضع علامة على خده.
درست مينيرفا الحقوق، ولكنها لم تحصل على رخصة مزاولة المحاماة أبدا، اعتقلت الأخوات مرتين، وفرضت عليهن الإقامة الجبرية، وتحملن صنوفا من العذاب، وكان ذلك يلهب ويغذي صفوف المعارضة، حتى ارتكب تروخيو حماقته في تصفيتهن بطريقة وحشية، وقدم للإعلام قصة مختلقة حول موتهن بحادث عابر، لم يصدق الناس الخبر، وانتمى عدد كبير من الشباب إلى صفوف حركة 14 حزيران، وتم الاتفاق على تصفية (التيس)، كما كانت يلقبونه.
من الواضح تماما أن دخول النساء في صفوف المعارضة لأي حكم دكتاتوري يمثل انعطافا خطيرا، ومن الواضح أيضا أن التعامل الأحمق معهن يشكل انعطافا أخطر، وهو ما حدث مع تروخيو، فلم يكن بين تصفيته للأخوات ميرابال واغتياله سوى أشهر.
ماتزال أختهن الرابعة على قيد الحياة، وقد حولت بيتهن ومقتنياتهن إلى متحف ومعرض للزوار، وخلدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذكراهن في تحديد اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة بيوم اغتيالهن الخامس والعشرين من نوفبمر.
فلسفة الدكتاتور في حياته الخاصة ومع أياديه القذرة هو ما أبدع يوسا في تجليته، وهو يثير الإعجاب في قدراته الروائية، وقدرته على تحفيز الخيال مع التصاقه بالواقع، وحرصه على أن تؤدي الرواية دورا أخلاقيا خصوصا في المجال السياسي، كما في (حفلة التيس).

 

رابط المقال في صحيفة اليوم

الوسوم: